فصل: تفسير الآية رقم (3)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ‏(‏106‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ فِى هذا‏}‏ أي فيما ذكر في هذه السورة الكريمة من الأخبار والمواعظ البالغة والوعد والوعيد والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة، وقيل‏:‏ الإشارة إلى القرآن كله ‏{‏لبلاغا‏}‏ أي كفاية أو سبب بلوغ إلى البغية أو نفس البلوغ إليها على سبيل المبالغة ‏{‏لّقَوْمٍ عابدين‏}‏ أي لقوم هممهم العبادة دون العادة، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنهم الذين يصلون الصلوات الخمس بالجماعة‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ذلك فقال‏:‏ هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة، وضمير ‏{‏هِىَ‏}‏ للعبادة المفهومة من ‏{‏عابدين‏}‏ وقال أبو هريرة‏.‏ ومحمد بن كعب ومجاهد‏:‏ هي الصلوات الخمس ولم يقيدوا بشيء، وعن كعب الأحبار تفسيرها بصيام شهر رمضان وصلاة الخمس والظاهر العموم وأن ما ذكر من باب الاقتصار على بعض الأفراد لنكتة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا أرسلناك‏}‏ بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكام وغير ذلك مما هو مناط لسعادة الدارين ‏{‏إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين‏}‏ استثناء من أعم العلل أي وما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لتراحم العالمين بإرسالك أو من أعم الأحوال أي وما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك رحمة أو ذا رحمة أو راحماً لهم ببيان ما أرسلت به، والظاهر أن المراد بالعالمين ما يشمل الكفار، ووجهه ذلك عليه أنه عليه الصلاة والسلام أرسل بما هو سبب لسعادة الدارين ومصحلة النشأتين إلا أن الكافر فوت على نفسه الانتفاع بذلك وأعرض لفساد استعداده عما هنالك، فلا يضر ذلك في كونه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة بالنسبة إليه أيضاً كما لا يضر في كون العين العذبة مثلاً نافعة عدم انتفاع الكسلان بها لكسله وهذا ظاهر خلافاً لمن ناقش فيه، وهل يرادذ بالعالمين ما يشمل الملائكة عليهن السلام أيضاً فيه خلاف مبني على الخلاف في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم لهم، فإذا قلنا بالعموم كما رجحه من الشافعية البارزي‏.‏ وتقي الدين السبكي والجلال المحلي في خصائصه، ومن الحنابلة ابن تيمية‏.‏ وابن حامد‏.‏ وابن مفلح في كتاب الفروع، ومن المالكية عبد الحق قلنا بشمول العالمين لهم هنا‏.‏ وكونه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة بالنسبة إليهم لأنه جاء عليه الصلاة والسلام أيضاً بما فيه تكليفهم من الأوامر والنواهي وإن لم نعلم ما هنا، ولا شك أن في امتثال المكلف ما كلف به نفعاً له وسعادة، وإن قلنا بعدم العموم كما جزم به الحليمي‏.‏ والبيهقي‏.‏ والجلال المحلى في «شرح جمع الجوامع»‏.‏ وزين الدين العراقي في نكته على ابن الصلاح من الشافعية‏.‏ ومحمود بن حمزة في كتابه العجائب والغرائب من الحنفية بل نقل البرهان النسفي‏.‏ والفخر الرازي في «تفسيريهما» الاجماع عليه وإن لم يسلم قلنا بعدم شموله لهم هنا وإرادة من عداهم منه، وقيل‏:‏ هم داخلون هنا في العموم وإن لم نقل ببعثته صلى الله عليه وسلم إليهم لأنهم وقفوا بواسطة إرساله عليه الصلاة والسلام على علوم جمة وأسرار عظيمة مما أودع في كتابه الذي فيه بناء ما كان وما يكون عبارة وإشارة وأي سعادة أعظم من التحلي بزينة العلم‏؟‏ وكونهم عليهم السلام لا يجعلون شيئاً مما لم يذهب إليه أحد من المسلمين، وقيل‏:‏ لأنهم أظهر من فضلهم على لسانه الشريف ما أظهر‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إن الرحمة في حق الكفار أمنهم ببعثته صلى الله عليه وسلم من الخسف والمسخ والقذف والاستئصال، وأخرج ذلك الطبراني‏.‏ والبيهقي‏.‏ وجماعة عن ابن عباس، وذكر أنها في حق الملائكة عليهم السلام الأمن من نحو ما ابتلى به هاروت وماروت، وأيد بما ذكره صاحب الشفاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام‏:‏ هل أصابك من هذه الرحمة شيء‏؟‏ قال‏:‏ نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله تعالى على في القرآن بقوله سبحانه

‏{‏ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ‏}‏ ‏[‏التوكير‏:‏ 20‏]‏ وإذا صح هذا الحديث لزم القول بشمول العالمين للملائكة عليهم السلام إلا أن الجلال السيوطي ذكر في تزيين الارائك أنه لم يوقف على إسناد، وقيل المراد بالعالمين جميع الخلق فإن العالم ما سوى الله تعاى وصفاته جل شأنه، وجمع جمع العقلاء تغليباً للإشرف على غيره‏.‏

وكونه صلى الله عليه وسلم رحمة للجميع باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام واسطة الفيض الإلهي على الممكنات على حسب القوابل، ولذا كان نوره صلى الله عليه وسلم أول المخلوقات، ففي الخبر «أول ما خلق الله تعالى نور نبيك با جابر» وجاء «الله تعالى المعطي وأنا القاسم» وللصوفية قدست أسرارهم في هذا الفصل كلام فوق ذلك، وفي مفتاح السعادة لابن القيم أنه لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشة ولا قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارب التي يعدو بعضها على بعض، وكل خير في العالم فمن آثار النبوة وكل شر وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها فالعالم جسد روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه، ولهذا إذا انكسفت شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من آثارها البتة انشقت سماؤه وانتشرت كواكبه وكورت شمسه وخسف قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك من عليها فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة أه؛ وإذا سلم هذا علم منه بواسطة كونه صلى الله عليه وسلم أكمل النبيين وما جاء به أجل مما جاؤوا به عليهم السلام وإن لم يكن في الأصول اختلاف وجه كونه عليه الصلاة والسلام أرسل رحمة للعالمين أيضاً لكن لا يخلو ذلك عن بعث‏.‏

وزعم بعضهم أن العالمين هنا خاص بالمؤمنين وليس بشيء، ولو احد من الفضلاء كلام طويل في هذه الآية الكريمة نقض فيه وأبرم ومنع وسلم ولا أرى له منشأ سوى قلة الاطلاع على الحق الحقيق بالاتباع، وأنت متى أخذت العناية بيدك بعد الاطلاع عليه سهل عليك رده ولم يهولك هزله وجده، والذي أختاره أنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لكل فرد فرد من العالمين ملائكتهم وانسهم وجنهم ولا فرق بين المؤمن والكافر من الانس والجن في ذلك، والرحمة متفاوتة ولبعض من العالمين المعلى والرقيب منها، وما يرى أنه ليس من الرحمة فهو إما منها في النظر الدقيق أو ليس مقصوداً بالقصد الأولى كسائر الشرور الواقعة في العالم بناء على ما حقق في محله أن الشر ليس داخلاً في قضاء الله تعالى بالذات، ومما هو ظاهر في عموم العالمين الكفار ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال‏:‏

«إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة» ولعله يؤيد نصب ‏{‏رَحْمَةً‏}‏ في الآية على الحال كقوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة «إنما أنا رحمة مهداة» ولا يشين احتمال التعليل ما ذهب إليه الأشاعرة من عدم تعليل أفعاله عز وجل فإن الماتريدية وكذا الحنابلة ذهبوا إلى خلافه وردوه بما لا مزيد عليه، على أنه لا مانع من أن يقال فيه كما قيل في سائر ما ظاهره التعليل ووجود المانع هنا توهم محض فتدبر؛ ثم لا يخفى أن تعلق ‏{‏للعالمين‏}‏ برحمة هو الظاهر‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ يحتمل أن يتعلق بأرسلناك، وفي البحر لا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد إلا بالفعل قبلها إلا إن كان العامل مفرغاً له نحو ما مررت إلا بزيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله واحد‏}‏ ذهب جماعة إلى أن في الآية حصرين بناء على أن أنما المفتوحة تفيد ذلك الكمكسورة، والأول لقصر الصفة على الموصوف والثاني لقصر الموصوف على الصفة فالثاني قصر فيه الله تعالى على الوحدانية والأول قصر فيه الوحي على الوحدانية، والمعنى ما يوحى إلى إلا اختصاص الله تعالى بالوحدانية‏.‏

واعترض بأنه كيف يقصر الوحي على الوحدانية وقد أوحى إليه صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة غير ذلك كالتكاليف والقصص، وأجيب بوجهين‏.‏ الأول أن معنى قصره عليه أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه أو غير منظور إليه في جنبه فهو قصر ادعائي، والثاني أنه قصر قلب بالنسبة إلى الشرك الصادر من الكفار، وكذا الكلام في القصر الثاني‏.‏ وأنكر أبو حيان إفادة أنما المفتوحة الحصر لأنها مؤولة بمصدر واسم مفرد وليست كالمكسورة المؤولة بما وإلا وقال‏:‏ لا نعلم خلافاً في عدم إفادتها ذلك والخلاف إنما هو في إفادة إنما المكسورة إياه‏.‏

وأنت تعلم أن الزمخشري‏.‏ وأكثر المفسرين ذهبوا إلى إفادتها ذلك، والحق مع الجماعة، ويؤيده هنا أنها بمعنى المسكورة لوقوعها بعد الوحي الذي هو في معنى القول ولأنها مقولة ‏{‏قُلْ‏}‏ في الحقيقة ولا شك في إفادتها التأكيد فإذا اقتضى المقام القصر كما فيما نحن فيه انضم إلى التأكيد لكنه ليس بالوضع كما في المكسورة فقد جاء ما لا يحتمله كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فتناه‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 24‏]‏ ولذا فسره الزمخشري بقوله ابتليناه لا محالة مع تصريحه بالحصر هنا، نعم في توجيه القصر هنا بما سمعت من كونه قصر الله تعالى على الوحدانية ما سمعته في آخر سورة الكهف فتذكر‏.‏

وجوز في ما في «إنما يوحى» أن تكون موصولة وهو خلاف الظاهر‏.‏ وتجويزه فيما بعد بعيد جداً موجب لتكلف لا يخفى ‏{‏فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ‏}‏ أي منقادون لما يوحى إلي من التوحيد، وهو استفهام يتضمن الأمر بالانقياد، وبعضهم فسر الإسلام بلازمه وهو إخلاص العبادة له تعالى وما أشرنا إليه أولى‏.‏

والفاء للدلالة على أن ما قبلها موجب لما بعدها قالوا فيه دلالة على أن صفة الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع بجلاف إثبات الواجب فإن طريقه العقل لئلا يلزم الدور‏.‏

قال في شرح المقاصد‏:‏ ان بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصدقهم لا يتوقف على الوحدانية فيجوز التمسك بالأدلة المسعية كإجماع الأنبياء عليهم السلام على الدعوة إلى التوحيد ونفي الشريك وكالنصوص القطعية من كتاب الله تعالى على ذلك، وما قيل إن التعدد يستلزم الإمكان لما عرفت من أدلة التوحيد وما لم تعرف أن الله تعالى واجب الوجود خارج عن جميع الممكنات لم يتأت إثبات البعثة والرسالة ليس بشيء لأن غاية استلزام الوجوب الوحدة لا استلزام معرفته معرفتها فضلاً عن التوقف، وسبب الغلط عدم التفرقة بين ثبوت الشيء والعلم بثبوته انتهى‏.‏

وتفريع الاستفهام هنا صريح في ثبوت الوحدانية بما ذكر، وقول صاحب الكشف‏:‏ إن الآية لا تصلح دليلاً لذلك لأنه إنما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم ذلك مبرهنا لا على قانون الخطابة فلعل نزولها كان مصحوباً بالبرهان العقلي ليس بشيء لظهور أن التفريع على نفس هذا الموحى، وكون نزوله مصحوباً بالبرهان العقلي والتفريع باعتباره نير ظاهر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ‏(‏109‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ عن الإسلام ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه ‏{‏فَقُلْ‏}‏ لهم ‏{‏ءاذَنتُكُمْ‏}‏ أي اعلمتكم ما أمرت به أو حربي لكم، والإيذان إفعال من الاذن وأصله العلم بالإجازة في شيء وترخيصه ثم تجوز به عن مطلق العلم وصيغ منه الأفعال، وكثيراً ما يتضمن معنى التحذير والإنذار وهو يتعدى لمفعولين الثاني منهما مقدر كما أشير إليه‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على سَوَاء‏}‏ في موضع الحال من المفعول الأول أي كائنين على سواء في الاعلام بذلك لم أخص أحداً منكم دون أحد‏.‏ وجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل والمفعول معا أي مستوياً أنا وأنتم في المعاداة أو في العلم بما أعلمتكم به من وحدانية الله تعالى لقيام الأدلة عليها‏.‏ وقيل ما أعلمهم صلى الله عليه وسلم به يجوز أن يكون ذلك وأن يكون وقوع الحرب في البين واستوائهم في العلم بذلك جاء من أعلامهم به وهم يعلمون أنه عليه الصلاة والسلام الصادق الأمين وإن كانوا يجحدون بعض ما يخبر به عناداً فتدبر‏.‏

وجوز أن يكون الجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر أي إيذاناً على سواء‏.‏ وأن يكون في موضع الخبر لأن مقدرة أي أعلمتكم أني على سواء أي عدل واستقامة رأي بالبرهان النير وهذا خلاف المتبادر جداً‏.‏

وفي الكشاف أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ءاذَنتُكُمْ‏}‏ الخ استعارة تمثثيلية شبه بمن بينه وبين أعدائه هدنة فأحس بغدرهم فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذانهم جميعاً بذلك وهو من الحسن بمكان ‏{‏وَإِنْ أَدْرِى‏}‏ أي ما أدرى ‏{‏أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ‏}‏ من غلبة المسلمين عليكم وظهور الدين أو الحشر مع كونه آتياً لا محالة، والجملة في موضع نصب بأدري‏.‏ ولم يجىء التركيب أقريب ما توعدون أم بعيد لرعاية الفواصل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏

‏{‏إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ‏(‏110‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول‏}‏ أي ما تجهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات التي من جملتها ما نطق بمجيء الموعود ‏{‏وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ‏}‏ من الأحن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه نقيراً وقطميراً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏111‏]‏

‏{‏وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ‏(‏111‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ‏}‏ أي ما أدري لعل تأخير جزائكم استدراج لكم وزيادة في افتتانكم أو امتحان لكم لينظر كيف تعملون‏.‏ وجملة ‏{‏لَعَلَّهُ‏}‏ الخ في موضع المفعول على قياس ما تقدم‏.‏

والكوفيون يجرون لعل مجرى هل في كونها معلقة‏.‏ قال أبو حيان‏:‏ ولا أعلم أحداً ذهب إلى أن لعل من أدوات التعليق وإن كان ذلك ظاهراً فيها‏.‏ وعن ابن عباس في رواية أنه قرأ ‏{‏أَدْرِى‏}‏ بفتح الياء في الموضعين تشبيهاً لها بياء الإضافة لفظاً وإن كانت لام الفعل ولا تفتح إلا بعامل‏.‏ وأنكر أن مجاهد فتح هذه الياء‏.‏

‏{‏ومتاع إلى حِينٍ‏}‏ أي وتمتيع لكم وتأخير إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة ليكون ذلك حجة عليكم‏.‏ وقيل المراد بالحين يوم بدر‏.‏ وقيل يوم القيامة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏112‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ رَبّ احكم بالحق‏}‏ حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقرأ الأكثر ‏{‏قُلْ‏}‏ على صيغة الأمر‏.‏ والحكم القضاء‏.‏ والحق العدل أي رب أقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضى لتعجيل العذاب والتشديد عليهم فهو دعاء بالتعجيل والتشديد وإلا فكل قضائه تعالى عدل وحق‏.‏ وقد استجيب ذلك حيث عذبوا ببدر أي تعذيب‏.‏

وقرأ أبو جعفر ‏{‏رَبّ‏}‏ بالضم على أنه منادى مفرد كما قال صاحب «اللوامح»، وتعقبه بأن حذف حرف النداء من اسم الجنس شاذ بابه الشعر‏.‏ وقال أبو حيان‏:‏ إنه ليس بمنادى مفرد بل هو منادى مضاف إلى الياء حذف المضاف إليه وبنى على الضم كقبل وبعد وذلك لغة حكاها سيبويه في المضاف إلى ياء المتكلم حال ندائه ولا شذوذ فيه‏.‏ وقرأ ابن عباس‏.‏ وعكرمة‏.‏ والجحدري‏.‏ وابن محيصن ‏{‏رَبّى‏}‏ بياء ساكنة ‏{‏أَحْكَمُ‏}‏ على صيغة التفضيل أي أنفذ أو أعدل حكماً أو أعظم حكمة‏.‏ فربى أحكم مبتدأ وخبر‏.‏

وقرأت فرقة ‏{‏أَحْكَمُ‏}‏ فعلاً ماضياً ‏{‏مُّقْتَدِرِ الرحمن‏}‏ مبتدأ وخبر أي كثير الرحمة على عباده‏.‏ وقوله سبحانه ‏{‏المستعان‏}‏ أي المطلوب منه العون خبر آخر للمبتدأ‏.‏ وجوز كونه صفة للرحمن بناء على اجرائه مجرى العلم‏.‏ وإضافة الرب فيما سبق إلى ضميره صلى الله عليه وسلم خاصة لما أن الدعاء من الوظائف الخاصة به عليه الصلاة والسلام كما أن إضافته ههنا إلى ضمير الجمع المنتظم للمؤمنين أيضاً لما أن الاستعانة من الوظائف العامة لهم‏.‏

‏{‏على مَا تَصِفُونَ‏}‏ من الحال فانهم كانوا يقولون‏:‏ إن الشركة تكون لهم وإن راية الإسلام تخفق ثم تسكن وإن المتوعد به لو كان حقاً لنزل بهم إلى غير ذلك مما لا خير فيه فاستجاب الله عز وجل دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم فخيب آمالهم وغير أحوالهم ونصر أولياءه عليهم فأصابهم يوم بدر ما أصابهم‏:‏ والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله‏.‏ وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ أبي رضي الله تعالى عنه ‏{‏يَصِفُونَ‏}‏ بيان الغيبة ورويت عن ابن عامر‏.‏ وعاصم‏.‏ هذا وفي جعل خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما يتعلق به‏.‏ خاتمة لسورة الأنبياء طيب كما قال الطيبي يتضوع منه مسك الختام‏.‏

ومن باب الإشارة في الآيات‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ مِن قَبْلُ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 51‏]‏ قيل ذلك الرشد إيثار الحق جل شأنه على ما سواع سبحانه، وسئل الجنيد متى أتاه ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ حين لا متى ‏{‏قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 66‏]‏ فيه إشارة إلى أن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة في عقله‏.‏

وقال حمدون القصار‏:‏ استعانة الخلق بالخلق كاستعانة المسجون بالمسجون

‏{‏قُلْنَا يانار كُونِى بَرْداً وسلاما على إبراهيم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 69‏]‏ قال ابن عطاء‏:‏ كان ذلك لسلامة قلب إبراهيم عليه السلام وخلوه من الالتفات إلى الأسباب وصحة توكله على الله تعالى، ولذا قال عليه السلام حين قال له جبريل عليه السلام‏:‏ ألك حاجة‏؟‏ أما إليك فلا ‏{‏ففهمناها سليمان‏}‏ فيه إشارة إلى أن الفضل بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء ولا تعلق له بالصغر والكبر فكم من صغير أفضل من كبير بكثير ‏{‏وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً‏}‏ قيل معرفة بأحكم الربيوبية ‏{‏وَعِلْماً‏}‏ معرفة بأحكام العبودية ‏{‏وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ *الجبال يُسَبّحْنَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 79‏]‏ قيل كان عليه السلام يخلوفي الكهوف لذكره تعالى وتسبيحه فيشاركه في ذلك الجبال ويسبحن معه، وذكر بعضهم أن الجبال لكونها خالية عن صنع الخلق حالية بأنوار قدرة الحق يحب العاشقون الخلوة فيها، ولذا نحنث صلى الله عليه وسلم في غار حاراء‏.‏

واختار كثير من الصالحين الانقطاع للعبادة فيها ‏{‏وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 83‏]‏ ذكر أنه عليه السلام قال ذلك حين قصدت دودة قلبه ودودة لسانه فخاف أن يشغل موضع فكره وموضع ذكره، وقال جعفر‏:‏ كان ذلك منه عليه السلام استدعاء للجواب من الحق سبحانه ليسكن إليه ولم يكن شكوى وكيف يشكو المحب حبيبه وكل ما فعل المحبوب محبوب وقد حفظ عليه السلام آداب الخطاب ‏{‏وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مغاضبا فَظَنَّ أَن لَّن قُدِرَ‏}‏ قيل ان ذلك رشحة من دن خمر الدلال، وذكروا أن مقام الدل دون مقام العبودية المحضة لعدم فناء الإرادة فيه ولذا نادى عليه السلام ‏{‏أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 87‏]‏ أي حيث اختلج في سرى أن أريد غيره ما أردت ‏{‏وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 89‏]‏ قيل إنه عليه السلام أراد ولدا يصلح ون يكون محلا لا فشاء الأسرار الإلهية إليه فإن العارف متى كان فرداً غير واجد من يفشي إليه السر ضاق ذرعه ‏{‏وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً‏}‏ قيل أي رغبة فينا ورهبة عما سوانا أو رغبة في لقائنا ورهبة من الاحتجاب عنا ‏{‏وَكَانُواْ لَنَا خاشعين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 90‏]‏‏.‏

قال أبو يزيد‏:‏ الخشوع خمود القلب عن الدعاوي، وقيل الفناء تحت أذيال العظمة ورداء الكبرياء ‏{‏وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 107‏]‏ أكثر الصوفية قدست أسرارهم على أن المراد من العالمين جميع الخلق وهو صلى الله عليه وسلم رحمة لكل منهم إلا أن الحظوظ متفاوتة ويشترك الجميع في أنه عليه الصلاة والسلام سبب لوجودهم بل قالوا‏:‏ إن العالم كله مخلوق من نوره صلى الله عليه وسلم، وقد صرح بذذلك الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره في قوله وقد تقدم غيره مرة‏:‏ طه النبي تكونت من نوره *** كل الخليقة ثم لو ترك القطا

وأشار بقوله لو ترك القطا إلى أن الجميع من نوره عليه الصلاة والسلام وجه الانقسام إلى المؤمن والكافر بعد تكونه فتأمل، وهذا ونسأل الله تعالى أن يجعل حظنا من رحمته الحظ الوافر وأن ييسر لنا أمور الدنيا والآخرة بلطفه المتواتر‏.‏

‏[‏سورة الحج‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏تُفْلِحُونَ يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ‏}‏ يعم حكمه المكلفين عند النزول ومن سينتظم في سلكهم بعد من الموجودين القاصرين عن رتبة التكليف والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة لكن لا بطريق الحقيقة عندنا بل بطريق التغليب أو تعميم الحكم بدليل خارجي فإن خطاب المشافهة لا يتناول من لم يكلف بعد وهو خاص بالمكلفين الموجودين عند النزول خلافاً للحنابلة وطائفة من السلفيين والفقهاء حيث ذهبوا إلى تناوله الجمع حقيقة، ولا خلاف في دخول الاناث كما قال الآمدي في نحو الناس مما يدل على الجمع ولم يظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث وإنما الخلاف في دخولهن في نحو ضمير ‏{‏اتقوا‏}‏ والمسلمين فذهبت الشافعية‏.‏ والأشاعرة‏.‏ والجمع الكثير من الحنفية‏.‏ والمعتزلة إلى نفيه، وذهبت الجنابلة‏.‏ وابن داود‏.‏ وشذوذ من الناس إلى إثباته، والدخول هنا عندنا بطريق التغليب‏.‏

وزعم بعضهم أن الخطاب خاص بأهل مكة وليس بذاك، والمأمور به مطلق التقوى الذي هو التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك ويندرج فيه الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر حسبما ورد به الشرع اندراجاً أولياً لكن على وجه يعم الإيجاد والدوام، والمناسب لتخصيص الخطاب بأهل مكة أن يراد بالتقوى المرتبة الأولى منها وهي التوقي عن الشرك، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد الأمر وتأكيد إيجاب الامتثال به ترهيباً وترغيباً أي احذروا عقوبة مالك أمركم ومربيكم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَىْء عَظِيمٌ‏}‏ تعليل لموجب الأمر بذكر أمر هائل فإن ملاحظة عظم ذلك وهو له وفظاعة ما هو من مباديه ومقدماته من الأحوال والأهوال التي لا ملجأ منها سوى التدرع بلباس التقوى مما يوجب مزيد الاعتناء بملابسته وملازمته لا محالة‏.‏ والزلزلة التحريك الشديد والازعاج العنيف بطريق التكرير بحيث يزيل الأشياء من مقارها ويخرجها عن مراكزها، وإضافتها إلى الساعة إما من إضافة المصدر إلى فاعله لكن على سبيل المجاز في النسبة كما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ مَكْرُ اليل والنهار‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 33‏]‏ لأن المحرك حقيقة هو الله تعالى والمفعول الأرض أو الناس أو من إضافته إلى المفعول لكن على أجرائه مجرى المفعول به اتساعاً كما في قوله‏:‏ يا سارق الليلة أهل الدار *** وجوز أن تكون الإضافة على معنى في وقد أثبتها بعضهم وقال بها في الآية السابقة، وهي عند بعض المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الارض زِلْزَالَهَا‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 1‏]‏ وتكون على ما قيل عند النفخة الثانية وقيام الساعة بل روي عن ابن عباس أن زلزلة الساعة قيامها‏.‏

وأخرج أحمد‏.‏ وسعيد بن منصور‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ والنسائي والترمذي‏.‏ والحاكم وصححاه عن عمران ابن حصين قال‏:‏ لما نزلت

‏{‏سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 1، 2‏]‏ كان صلى الله عليه وسلم في سفر فقال‏:‏ أتدرون أي يوم ذلك‏؟‏ قالوا‏:‏ الله تعالى ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ذلك يوم يقول الله تعالى لآدم عليه السلام ابعث بعث النار قال‏:‏ يا رب وما بعث النار‏؟‏ قال‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة فانشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ قاربوا وسددوا وأبشروا فانها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدة من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم في الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ثم قال‏:‏ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا ثم قال‏:‏ إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال‏:‏ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا قال‏:‏ ولا أدري قال الثلثين أم لا، وحديث البعث مذكور في الصحيحين وغيرهما لكن بلفظ آخر وفيه كالمذكور ما يؤيد كون هذه الزلزلة في يوم القيامة وهو المروى عن الحسن‏.‏

وأخرج ابن المنذر‏.‏ وغيره عن علقمة‏.‏ والشعبي وعبيد بن عمير أنها تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وإضافتها إلى الساعة على هذا لكونها من أماراتها، وقد وردت آثار كثيرة في حدوث زلزلة عظيمة قبل قيام الساعة هي من أشراطها إلا أن في كون تلك الزلزلة هي المراد هنا نظراً إذ لا يناسب ذلك كون الجملة تعليلاً لموجب أمر جميع الناس بالتقوى، ثم أنها على هذا القول على معناها الحقيقي وهو حركة الأرض العنيفة، وتحدث هذه الحركة بتحريك ملك بناء على ما روي أن في الأرض عروقاً تنتهي إلى جبل قاف وهي بيد ملك هناك فإذا أراد الله عز وجل أمراً أمره أن يحرك عرقاً فإذا حركه زلزلت الأرض‏.‏

وعند الفلاسفة أن البحار إذا احتبس في الأرض وغلظ بحيث لا ينفذ في مجاريها لشدة استحصافها وتكاثفها اجتمع طالباً للخروج ولم يمكنه فزلزلت الأرض، وربما اشتدت الزلزلة فخسفت الأرض فيخرج نار لشدة الحركة الموجبة لاشتعال البخار والدخان لا سيما إذا امتزجا امتزاجاً مقرباً إلى الدهنية، وربما قويت المادة على شق الأرض فتحدث أصوات هائلة، وربما حدثت الزلزلة من تساقط عوالي وهدات في باطن الأرض فيتموج بها الهواء المحتقن فتتزلزل به الأرض، وقليلاً ما تتزلزل بسقوط قلل الجبال عليها لعض الأسباب‏.‏

وما يستأنس به للقول بأن سببها احتباس البخار الغليظ وطلبه للخروج وعدم تيسره له كثرة الزلازل في الأرض الصلبة وشدتها بالنسبة إلى الأرض الرخوة، ولا يخفي أنه إذا صح حديث في بيان سبب الزلة لا ينبغي العدول عنه وإلا فلا بأس بالقول برأي الفلاسفة في ذلك وهو لا ينافي القول بالفاعل المختار كما ظن بعضهم، وهي على القول بأنها يوم القيامة قال بعضهم‏:‏ على حقيقتها أيضاً، وقال آخرون‏:‏ هي مجاز عن الأهوال والشدائد التي تكون في ذلك اليوم، وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصره عن إدراك كنهها والعبارة ضيقة لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام‏.‏ وفي البحر أن إطلاق الشيء عليها مع أنه لم توجد بعد يدل على أنه يطلق على المعدوم، ومن منع ذلك قال‏:‏ إن اطلاقه عليها لتيقن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود لا محالة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ‏}‏ الظاهر أن الضمير المنصوب في ‏{‏تَرَوْنَهَا‏}‏ للزلزلة لأنها المحدث عنها، وقيل هو للساعة وهو كما ترى، و‏{‏يَوْمٍ‏}‏ منتصب بتذهل قدم عليه للاهتمام، وقيل بعظيم، وقيل باضمار اذكر؛ وقيل هو بدل من ‏{‏الساعة‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 1‏]‏ وفتح لبنائه كما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا يَوْمُ يَنفَعُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 119‏]‏ على قراءة يوم بالفتح، وقيل بدل من ‏{‏زَلْزَلَةَ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 1‏]‏ أو منصوب به إن اغتفر الفصل بين المصدر ومعموله الظرفي بالخبر، وجملة ‏{‏تَذْهَلُ‏}‏ على هذه الأوجه في موضع الحال من ضمير المفعول والعائد محذوف أي تذهل فيها، والذهول شغل يورث حزناً ونسياناف، والمرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها وهي بخلاف المرضع بلا هاء فإنها التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، وخص بعض نحاة الكوفة أم الصبي بمرضعة بالهاء والمستأجرة بمرضع ويرده قول الشاعر‏:‏ كمرضعة أولاد أخرى وضيعت *** بني بطنها هذا الضلال عن القصد

والتعبير به هنا ليدل على شدة الأمر وتفاقم الهول، والظاهر أن ما موصولة والعائد محذوف أي عن الذي أرضعته، والتعبير بما لتأكيد الذهول وكون الطفل الرضيع بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا لأنها تعرف شيئيته لكن لا تدري من هو بخصوصه، وقيل مصدرية أي تذهل عن إرضاعها، والأول دل على شدة الهول وكمال الإنزعاج، والكلام على طريق التمثيل وأنه لو كان هناك مرضعة ورضيع لذهلت المرضعة عن رضيعها في حال إرضاعها إياه لشدة الهول وكذا ما بعد، وهذا ظاهر إذا كانت الزلزلة عند النفخة الثانية أو في يوم القيامة حين أمر آدم عليه السلام ببعث بعث النار وبعث الجنة ان لم نقل بأن كل أحد يحشر على حاله التي فارق فيها الدنيا فتحشر المرضعة مرضعة والحامل حاملة كما ورد في بعض الآثار، وأما إذا قلنا بذلك أو بكون الزلزلة في الدنيا فيجوز أن يكون الكلام على حقيقته، ولا يضر في كونه تمثيلاً أن الأمر إذ ذاك أشد وأعظم وأهول مما وصف واطم لشيوع ما ذكر في التهويل كما لا يخفي على المنصف النبيل‏.‏

وقرىء ‏{‏تَذْهَلُ‏}‏ من الاذهال مبنياً للمفعول، وقرأ ابن أبي عبلة‏.‏ واليماني ‏{‏تَذْهَلُ‏}‏ منه مبنياً للفاعل و«كل» بالنصب أي يوم تذهل الزلزلة، وقيل‏:‏ الساعة كل مرضعة ‏{‏وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا‏}‏ أي تلقى ذات جنين جنينها لغير تمام، وإنما لم يقل وتضع كل حاملة ما حملت على وزان ما تقدم لما أن ذلك ليس نصا في المراد وهو وضع الجنين بخلاف ما في النظم الجليل فإنه نص فيه لأن الحمل بالفتح ما يحمل في البطن من الولد، وإطلاقه على نحو الثمرة في الشجرة للتشبيه بحمل المرأة، وللتنصيص على ذلك من أول الأمر لم يقل وتضع كل حاملة حملها كذا قيل‏.‏

وتعقب بأن في دعوى تخصيص الحمل بما يحمل في البطن من الولد وان اطلاقه على نحو الثمرة في الشجرة للتشبيه بحثاً ففي البحر الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة‏.‏

وفي القاموس الحمل ما يحمل في البطن من الولد جمعه حمال وأحمال وحملت المرأة تحمل علقت ولا يقال حملت به أو قليل وهو حامل وحاملة، والحمل ثمر الشجر ويكسر أو الفتح لما بطن من ثمره والكسر لما ظهر أو الفتح لما كان في بطن أو على رأس شجرة والكسر لما على ظهر أو رأس أو ثمر الشجر بالكسر ما لم يكبر فإذا كبر فبالفتح جمعه احمال وحمول وحمال اه، وقيل‏:‏ المتبادر وضع الجنين بأي عبارة كان التعبير إلا أن ذات حمل أبلغ في التهويل‏.‏ من حامل أو حاملة لاشعاره بالصحبة المشعرة بالملازمة فيشعر الكلام بأن الحامل تضع إذ ذاك الجنين المستقر في بطنها المتمكن فيه هذا مع ما في الجمع بين ما يشعر بالمصاحبة وما يشعر بالمفارقة وهو الوضع من اللطف فتأمل فلمسلك الذهن اتساع‏.‏

‏{‏وَتَرَى الناس‏}‏ بفتح التاء والراء على خطاب كل واحد من المخاطبين برئية الزلزلة والاختلاف بالجمعية والإفراد لما أن المرئي في الأول هي الزلزلة التي يشاهدها الجميع وفي الثاني حال من عدا المخاطب منهم فلا بد من إفراد المخاطب على وجه يعم كل واحد منهم لكن من غير اعتبار اتصافه بتلك الحالة فإن المراد بيان تأثير الزلزلة في المرئي لا في الرائي باختلاف مشاعره لأن مداره حيثية رؤيته للزلزلة لا لغيرها كأنه قيل وتصير الناس سكارى الخ، وإنما أوثر عليه ما في التنزيل للإيذان بكمال ظهور تلك الحال فيهم وبلوغها من الجلاء إلى حد لا يكاد يخفى على أحد قاله غير واحد‏.‏

وجوز بعضهم كون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والأول أبلغ في التهويل، والرؤية بصرية و‏{‏الناس‏}‏ مفعولها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سكارى‏}‏ حال منه أي يراهم كل واحد مشابهين للسكارى، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بسكارى‏}‏ أي حقيقة حال أيضاً لكنها مؤكدة والحال المؤكد تقترن بالواو لا سيما إذا كانت جملة اسمية‏.‏ فلا يقال‏:‏ إنه إذا كان معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَرَى الناس سكارى‏}‏ على التشبيه يكون ‏{‏وَمَا هُم بسكارى‏}‏ بالمعنى المذكور مستغنى عنه، ولا وجه لجعله حالاً مؤكدة لمكان الواو، وجوز أن يكون ‏{‏تَرَى‏}‏ بمعنى تظن فسكارى مفعول ثان، وحينئذٍ يجوز أن يكون الكلام على التشبيه والجملة الاسمية في موضع الحال المؤكدة؛ ويجوز أن يكون على الحقيقة فلا تأكيد هنا، وأمر إفراد الخطاب وما فيه من المبالغة بحاله، وأياً ما كان فالمراد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بسكارى‏}‏ استمرار النفي، وأكد بزيادة الباء للتنبيه على أن ما هم فيه ليس من المعهود في شيء وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله، وأشير إلى سببه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ‏}‏ أي إن شدة عذابه تعالى تجعلهم كما ترى، وهو استدراك على ما في الانتصاف راجع إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بسكارى‏}‏ وزعم أبو حيان أنه استدراك عن مقدر كأنه قيل هذه أي الذهول والوضع ورؤية الناس سكارى أحوال هينة ولكن عذاب الله شديد وليس بهين وهو خلاف الظاهر جداً‏.‏

وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ‏{‏تَرَى‏}‏ بضم التاء وكسر الراء أي ترى الزلزلة الخلق جميع الناس سكارى‏.‏ وقرأ الزعفراني ‏{‏تَرَى‏}‏ بضم التاء وفتح الراء ‏{‏الناس‏}‏ بالرفع على إسناد الفعل المجهول إليه، والتأنيث على تأويل الجماعة‏.‏ وقرأ أبو هريرة‏.‏ وأبو زرعة‏.‏ وابن جرير‏.‏ وأبو نهيك كذلك إلا أنهم نصبوا ‏{‏الناس‏}‏ وترى على هذا متعد إلى ثلاثة مفاعيل كما في «البحر»؛ الأول‏:‏ الضمير المستتر وهو نائب الفاعل، والثاني‏:‏ ‏{‏الناس‏}‏ والثالث‏:‏ ‏{‏سكارى‏}‏ وقرأ أبو هريرة‏.‏ وابن نهيك ‏{‏سكارى‏}‏ بفتح السين في الموضعين وهو جمع تكسير‏.‏ واحده سكران، وقال أبو حاتم‏:‏ هي لغة تميم، وأخرج الطبراني‏.‏ وغيره عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ‏{‏سكارى‏}‏ كعطشى في الموضعين، وكذلك روى أبو سعيد الخدري وهي قراءة عبد الله‏.‏ وأصحابه‏.‏ وحذيفة وبها قرأ الأخوان‏.‏ وابن سعدان‏.‏ ومسعود بن صالح، وتجمع الصفة على فعلى إذا كانت من الآفات والأمراض كقتلى وموتى وحمقى، ولكون السكر جارياً مجرى ذلك لما فيه من تعطيل القوى والمشاعر جمع هذا الجمع فهو جمع سكران، وقال أبو علي الفارسي‏:‏ يصح أن يكون جمع سكر كزمنى وزمن، وقد حكى سيبويه رجل سكر بمعنى سكران‏.‏ وقرأ الحسن والأعرج‏.‏ وأبو زرعة‏.‏ وابن جبير والأعمش ‏{‏سكارى‏}‏ بضم السين فيهما، قال الزمخشري‏:‏ وهو غريب، وقال أبو الفتح‏:‏ هو اسم مفرد كالبشرى وبهذا أقتاني أبو علي وقد سألته عنه انتهى‏.‏

وإلى كونه اسماً مفرداً ذهب أبو الفضل الرازي فقال‏:‏ فعلى بضم الفاء من صفة الواحدة من الإناث لكنها لما جعلت من صفات الناس وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الموحد، وعن أبي زرعة ‏{‏سكارى‏}‏ بفتح السين ‏{‏بسكارى‏}‏ بضمها، وعن ابن جبير ‏{‏سكارى‏}‏ بفتح السين من غير ألف ‏{‏بسكارى‏}‏ بالضم والألف كما في قراءة الجمهور، والخلاف في فعالى أهو جمع أو اسم جمع مشهور‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ نزلت كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله تعالى عنه في النضر بن الحرث وكان جدلاً يقول الملائكة عليهم السلام بنات الله سبحانه والقرآن أساطير الأولين ولا يقدر الله تعالى شأنه على إحياء من بلى وصار تراباً، وقيل في أبي جهل، وقيل في أبي بن خلف وهي عامة في كل من تعاطى الجدل فيما يجوز وما لا يجوز على الله سبحانه من الصفات والأفعال ولا يرجع إلى علم ولا برهان ولا نصفة، وخصوص السبب لا يخرجها عن العموم، وكان ذكرها أثر بيان عظم شأن الساعة المنبئة عن البعث لبيان حال بعض المنكرين لها؛ ومحل الجار الرفع على الابتداء إما بحمله على المعنى أو بتقدير ما يتعلق به، و‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ في موضع الحال من ضمير ‏{‏يجادل‏}‏ لإيضاح ما تشعر به المجادلة من الجهل أي وبعض الناس أو بعض كائن من الناس من ينازع في شأن الله عز وجل ويقول ما لا خير فيه من الأباطيل ملابساً الجهل ‏{‏وَيَتَّبِعْ‏}‏ فيما يتعاطاه من المجادلة أو في كل ما يأتي وما يذر من الأمور الباطلة التي من جملتها ذلك ‏{‏كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ‏}‏ متجرد للفساد معرى من الخير من قولهم‏:‏ شجرة مرداء لا ورق لها، ومنه قيل‏:‏ رملة مرداء إذا لم تنبت شيئاً، ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر، وقال الزجاج‏:‏ أصل المريد والمارد المرتفع الأملس وفيه معنى التجرد والتعري، والمراد به إما إبليس وجنوده وإما رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم إلى الكفر‏.‏ وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ‏{‏وَيَتَّبِعْ‏}‏ خفيفاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير‏}‏ ضمير ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏ للشيطان وكذا الضمير المنصوب في ‏{‏تَوَلاَّهُ‏}‏ والضمير في ‏{‏فَإِنَّهُ‏}‏ والضميران المستتران في ‏{‏يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ‏}‏ وضمير ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ للشأن وباقي الضمائر لمن‏.‏ واختلف في إعراب الآية فقيل إن ‏{‏أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ‏}‏ الخ نائب فاعل ‏{‏كتاب‏}‏ والجملة في موضع الصفة الثانية لشيطان و‏{‏مِنْ‏}‏ جزائية وجزاؤها محذوف و‏{‏فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ‏}‏ الخ عطف على ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ مع ما في حيزها وما يتصل بها أي كتب على الشيطان أن الشأن من تولاه أي اتخذه ولياً وتبعه يهلكه فإنه يضله عن طريق الجنة وثوابها ويهديه إلى طريق السعير وعذابها، والفاء لتفصيل الإهلاك كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 54‏]‏ وعلى ذلك حمل الطيبي كلام الكشاف وهو وجه حسن إلا أن في كونه مراد الزمخشري خفاء، وقيل ‏{‏مِنْ‏}‏ موصولة مبتدأ وجملة ‏{‏تَوَلاَّهُ‏}‏ صلته والضمير المستتر عائده و‏{‏أَنَّهُ يُضِلُّهُ‏}‏ في تأويل مصدر خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والجملة خبر الموصول، ودخول الفاء في خبره على التشبيه بالشرط أي كتب عليه أن الشأن من تولاه فشأنه أو فحق أنه يضله الخ‏.‏ ويجوز أن تكون من شرطية والفاء جوابية وما بعدها مع المقدر جواب الشرط‏.‏ وقيل ضمير ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ للشيطان وهو اسم ان و‏{‏مِنْ‏}‏ موصولة أو موصوفة والأول أظهر خبرها والضمير المستتر في ‏{‏تَوَلاَّهُ‏}‏ لبعض الناس والضمير البارز لمن والجملة صلة أو صفة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ‏}‏ عطف على ‏{‏أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ‏}‏ والمعنى ويتبع كل شيطان كتب عليه أنه هو الذي اتخذه بعد الناس ولياً وأنه يضل من اتخذه ولياً فالأول كأنه توطئة للثاني أي يتبع شيطاناً مختصاً به مكتوباً عليه أنه وليه وأنه مضله فهو لا يألو جهداً في إضلاله، وهذا المعنى أبلغ من المعنى السابق على احتمال كون من جزائية لدلالته على أن لكل واحد من المجادلين واحداً من مردة الشياطين، وارتضى هذا في «الكشف» وحمل عليه مراد صاحب الكشاف‏.‏

وعن بعض الفضلاء أن الضمير في ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ للمجادل أي كتب على الشيطان أن المجادل من تولاه وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُ‏}‏ الخ عطف على ‏{‏أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ‏}‏ واعترض بأن اتصاف الشيطان بتولي المجادل إياه مقتضى المقام لا العكس وأنه لو جعلت من في ‏{‏مَن تَوَلاَّهُ‏}‏ موصولة كما هو الظاهر لزم أن لا يتولاه غير المجادل وهذا الحصر يفوت المبالغة‏.‏

وفي «البحر» الظاهر أن الضمير في ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏ عائد على من لأنه المحدث عنه، وفي أنه وتولاه وفي فإنه عائد عليه أيضاً والفاعل بتولي ضمير من وكذا الهاء في يضله، ويجوز أن يكون الهاء في أنه على هذا الوجه ضمير الشأن والمعنى أن هذا المجادل لكثرة جداله بالباطل واتباعه الشيطان صار إماماً في الضلال لمن يتولاه فشأنه أن يضل من يتولاه انتهى، وعليه تكون جملة كتب الخ مستأنفة لا صفة لشيطان، والأظهر جعل ضمير ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏ عائداً على الشيطان وهو المروى عن قتادة، وأياً ما كان فكتب بمعنى مضى وقدر ويجوز أن يكون على ظاهره، وفي «الكشاف» أن الكتبة عليه مثل أي كأنما كتب عليه ذلك لظهوره في حاله، ولا يخفى ما في ‏{‏يَهْدِيهِ‏}‏ من الاستعارة المثيلية التهكمية‏.‏

وقرىء ‏{‏كتاب‏}‏ مبنياً للفاعل أي كتب الله‏.‏ وقرىء ‏{‏فَإِنَّهُ‏}‏ بكسر الهمزة فالجملة خبر من أو جواب لها، وقرأ الأعمش‏.‏ والجعفي عن أبي عمرو ‏{‏أَنَّهُ فَإِنَّهُ‏}‏ بكسر الهمزة فيهما ووجهه الكسر في الثانية ظاهر، وأما وجهه في الأولى فهو كما استظهر أبو حيان إسناد ‏{‏كتاب‏}‏ إلى الجملة إسناداً لفظياً أي كتب عليه هذا الكلام كما تقول كتبت إن الله تعالى يأمر بالعدل والإحسان أو تقدير قول وجعل الجملة معمولة له أو تضمين الفعل معنى ذلك أي كتب عليه مقولاً في شأنه أنه من تولاه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏السعير ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث‏}‏ الخ إقامة للحجة التي تلقم المجادلين في البعث حجراً إثر الإشارة إلى ما يؤل إليه أمرهم، واستظهر أن المراد بالناس هنا الكفرة المجادلون المنكرون للبعث، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب أي الشك مع أنهم جازمون بعدم إمكانه إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه، وأما الجزم بعدم الإمكان فخارج من دائرة الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفاً مشكوك الوقوع، وإما للتنبيه على أن جرمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإمكان ونهاية قوتها‏.‏ وإنما لم يقل وإن ارتبتم في البعث للمبالغة في تنزيه أمره عن شائبة وقوع الريب والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته، ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة للريب، واستظهر أن المراد في ريب من إمكان البعث لأنه الذي يقتضيه ما بعد، وجوز أن يكون المراد من وقوع البعث، واعترض بأن الدليل المشار إليه فيما بعد إنما يدل على الإمكان مع ما يلزم من التكرار مع قوله تعالى الآتي‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 7‏]‏ وفيه تأمل فتأمل، وقرأ الحسن ‏{‏مّنَ البعث‏}‏ بفتح العين وهي لغة فيه كالجلب والطرد في الجلب والطرد عند البصريين، وعند الكوفيين إسكان العين تخفيف وهو قياسي في كل ما وسطه حرف حلق كالنهر والنهر والشعر والشعر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ‏}‏ دليل جواب الشرط أو هو الجواب بتأويل أي وإن كنتم في ريب من البعث فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم فإنا خلقناكم الخ، وقيل‏:‏ التقدير فأخبركم وأعلمكم أنا خلقناكم الخ وليس بذاك، وخلقهم من تراب في ضمن خلق آدم عليه السلام منه أو بخلق الأغذية التي يتكون منها المني منه وهي وإن تكونت من سائر العناصر معه إلا أنه أعظم الأجزاء على ما قيل فلذلك خصه بالذكر من بينها، واختير الأول وجعل المعنى خلقناكم خلقاً إجمالياً من تراب ‏{‏ثُمَّ‏}‏ خلقناكم خلقاً تفصيلياً ‏{‏مِن نُّطْفَةٍ‏}‏ أي منى من النطف بمعنى التقاطر، وقال الراغب‏:‏ النطفة الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل، قيل والتخصيص على هذا مع أن الخلق من ماءين لأن معظم أجزاء الإنسان مخلوق من ماء الرجل، والحق أن النطفة كما يعبر بها عن منى الرجل يعبر بها عن المنى مطلقاً وكلام الراغب ليس نصاً في نفي ذلك، والظاهر أن المراد النطفة التي يخلق منها كل واحد بلا واسطة، وقيل‏:‏ المراد نطفة آدم عليه السلام وحكى ذلك عن النقاش وهو من البعد في غايته‏.‏

‏{‏ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ‏}‏ أي قطعة من الدم جامدة متكونة من المنى ‏{‏ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ‏}‏ أي قطعة من اللحم متكونة من العلقة وأصلها قطعة لحم بقدر ما يمضغ ‏{‏مُّخَلَّقَةٍ‏}‏ بالجر صفة ‏{‏مُضْغَةً‏}‏ وكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ‏}‏‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما على الحال من النكرة المتقدمة وهو قليل وقاسه سيبويه، والمشهور المتبادر أن المخلقة المستبينة الخلق أي مضغة مستبينة الخلق مصورة ومضغة لم يستبن خلقها وصورتها بعد، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولاً قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئاً فشيئاً وكان مقتضى الترتيب المبني على التدرج من المبادىء البعيدة إلى القريبة أن يقدم غير المخلقة وإنما أخرت لكونها عدم ملكة، وصيغة التفعيل لكثرة الأعضاء المختص كل منها بخلق وصورة، وقيل‏:‏ المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب يقال خلق السواك والعود سواه وملسه وصخرة خلقاء أي ملساء وجبل أخلق أي أملس؛ فالمعنى من نطفة مسواة لا نقص فيها ولا عيب في ابتداء خلقها ونطفة غير مسواة فيها عيب فالنطف التي يخلق منها الإنسان متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، وعن مجاهد‏.‏ وقتادة‏.‏ والشعبي‏.‏ وأبي العالية‏.‏ وعكرمة أن المخلقة التي تم لها مدة الحمل وتوارد عليها خلق بعد خلق وغير المخلقة التي لم يتم لها ذلك وسقطت، واستدل له بما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال‏:‏ يا رب مخلقة أم غير مخلقة‏؟‏ فإن قيل‏:‏ غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دماً وإن قيل‏:‏ مخلقة قال‏:‏ يا رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر وما الرزق وبأي أرض تموت‏؟‏ الخبر وهو في حكم المرفوع، والمراد أنهم خلقوا من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والساقطة لا أنهم خلقوا من نطفة تامة ومن نطفة ساقطة إذ لا يتصور الخلق من النطفة الساقطة وهو ظاهر، وكان التعرض على هذا لوصفها بما ذكر لتعظيم شأن القدرة وفي جعل كل واحدة من هذه المراتب مبدأ لخلقهم لا لخلق ما بعدها من المراتب كما في قوله تعالى ‏{‏ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 14‏]‏ الآية مزيد دلالة على عظم قدرته تعالى‏:‏ ‏{‏لّنُبَيّنَ لَكُمْ‏}‏ متعلق بخلقنا، وترك المفعول لتفخيمه كماً وكيفاً أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم ما لا يحصره العبارة من الحقائق والدقائق التي من جملتها أمر البعث فإن من تأمل فيما ذكر من الخلق التدريجي جزم بأن من قدر على خلق البشر أولاً من تراب لم يذق ماء الحياة قط وإنشائه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أخرى بتصريفه في أطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال مع ما بين تلك الأطوار والأحوال من المخالفة والتباين فهو قادر على إعادته بل هي أهون في القياس، وقدر بعضهم المفعول خاصاً أي لنبين لكم أمر البعث وليس بذاك‏.‏

وأبعد جداً من زعم أن المعنى لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل المختار ولولا ذلك ما صار بعض أفراد المضغة غير مخلق، وقرأ ابن أبي عبلة ‏{‏لِيُبَيّنَ‏}‏ بالياء على طريق الالتفات وكذا قرأ قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَنُقِرُّ فِى الارحام مَا نَشَاء‏}‏ وقرأ الجمهور بالنون، والجملة استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم وتوارد الأطوار عليهم أي ونقر في الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقره فيها ‏{‏إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ هو وقت الوضع وأدناه ستة أشهر وأقصاه عندنا سنتان وعند الشافعي عليه الرحمة أربع سنين، وعن يعقوب أنه قرأ ‏{‏وَنُقِرُّ‏}‏ بفتح النون وضم القاف من قررت الماء إذا صببته، وقرأ يحيى بن وثاب ما نشاء بكسر النون‏.‏

‏{‏ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ‏}‏ أي من الأرحام بعد إقراركم فيها عند تمام الأجل المسمى ‏{‏طِفْلاً‏}‏ حال من ضمير المخاطبين، والإفراد إما باعتبار كل واحد منهم أو بإرادة الجنس الصادق على الكثير أو لأنه مصدر فيستوي فيه الواحد وغيره كما قال المبرد أو لأن المراد طفلاً طفلاً فاختصر كما نقله الجلال السيوطي في الأشباه النحوية‏.‏

وقرأ عمر بن ‏{‏شبة‏}‏ يخرجكم بالياء ‏{‏طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ‏}‏ أي كمالكم في القوة والعقل والتمييز، وفي «القاموس» حتى يبلغ أشده ويضم أوله أي قوته وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما أو جمع لا واحد له من لفظه أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل أي قياساً فلا يرد نعمة وأنعم أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب وما هما بمسموعين بل قياس و‏{‏لِتَبْلُغُواْ‏}‏، قال العلامة‏:‏ أبو السعود‏:‏ علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة لها كأنه قيل ثم نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا الخ، وقيل علة لمحذوف والتقدير ثم نمهلكم لتبلغوا الخ‏.‏

وجوز العلامة الطيبي أن يكون التقدير ‏{‏ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ‏}‏ كان ذلك الإقرار والإخراج؛ وقيل إنه عطف على نبين، وتعقبه العلامة بأنه مخل بجزالة النظم الكريم وجعله كغيره عطفاً عليه على قراءة ‏{‏نُقِرَ‏}‏‏.‏

ونخرج بالنصب وهي قراءة المفضل‏.‏ وأبي حاتم إلا أن الأول قرأ بالنون والثاني قرأ بالياء، وكذا جعل الفعلين عطفاً عليه وقال‏:‏ المعنى خلقناكم على التدريج المذكور لأمرين، أحدهما‏:‏ أن نبين شؤوننا، والثاني‏:‏ أن نقركم في الأرحام ثم نخرجكم صغاراً ثم لتبلغوا أشدكم، وتقديم التبيين على ما بعده مع أن حصوله بالفعل بعد الكل للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات، وإعادة اللام في ‏{‏لِتَبْلُغُواْ‏}‏ مع تجريد نقر ‏{‏وَنُخْرِجُ‏}‏ عنها للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدي إلى السعادة والشقاوة، وإيثار البلوغ مسنداً إلى المخاطبين على التبليغ مسنداً إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنه المناسب لبيان حال اتصافهم بالكمال واستقلالهم بمبدئية الآثار والأفعال اه‏.‏

وما ذكره من عطف ‏{‏نُقِرَ‏}‏ ونخرج‏.‏ بالنصب على ‏{‏نُبَيّنُ‏}‏ لم يرتضه الشيخ ابن الحاجب، قال في «شرح المفصل»‏:‏ أنه مما يتعذر فيه النصب إذ لو نصب عطفاً على ‏{‏نُبَيّنُ‏}‏ ضعف المعنى إذ اللام في لنبين للتعليل لما تقدم والمقدم سبب للتبيين فلو عطف ‏{‏وَنُقِرُّ‏}‏ عليه لكان داخلاً في مسببية ‏{‏إِنَّا خلقناكم‏}‏ الخ وخلقهم من تراب ثم ما تلاه لا يصلح سبباً للإقرار في الأرحام، وقال الزجاج‏:‏ لا يجوز في ‏{‏وَنُقِرُّ‏}‏ إلا الرفع ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام لأن الله تعالى لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام وإنما خلقهم ليدلهم على رشدهم ولاصحهم وهو قول بعدم جواز عطفه على نبين‏.‏

وأجيب بأن الغرض في الحقيقة هو بلوغ الأشد والصلوح للتكليف لكن لما كان الإقرار وما تلاه من مقدماته صح إدخاله في التعليل، وما ذكره من أن العطف على نبين على قراءة الرفع مخل بجزالة النظم الكريم فالظاهر أنه تعريض بالزمخشري حيث جعل العطف على ذلك، وقال فإن قلت‏:‏ كيف يصح عطف ‏{‏لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ‏}‏ على ‏{‏لّنُبَيّنَ‏}‏ ولا طباق قلت‏:‏ الطباق حاصل لأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُقِرُّ‏}‏ قرين للتعليل ومقارنته له والتباسه به ينزلانه منزلة نفسه فهو راجع من هذه الجهة إلى متانة القراءة بالنصب اه‏.‏ وفيه ما يومىء إلى أن قراءة النصب أوضح كما أنها أمتن، ولم يرتض ذلك المحققون ففي «الكشف» أن القراءة بالرفع هي المشهورة الثابتة في السبع وهي الأولى وقد أصيب بتركيبها هكذا شاكلة الرمي حتى لم يجعل الإقرار في الأرحام علة بل جعل الغرض منه بلوغ الأشد وهو حال الاستكمال علماً وعملاً وحيث لم يعطف على ‏{‏لّنُبَيّنَ‏}‏ إلا بعد أن قدم عليه ‏{‏وَنُقِرُّ‏}‏ ثم نخرج مجعولاً ‏{‏نُقِرَ‏}‏ عطفاً على ‏{‏إِنَّا خلقناكم‏}‏ والعدول إلى المضارع لتصوير الحال والدلالة على زيادة الاختصاص فالطباق حاصل لفظاً ومعنى مع أن في الفصل بين العلتين من النكتة ما لا يخفى على ذي لب حسن موقعها بعد التأمل، وكذلك في الإتيان بثم في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ‏}‏ دلالة على أنه الغرض الأصيل الذي خلق الإنسان له

‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏ ولما كانت الأوائل في الدلالة على البعث أظهر قدم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لّنُبَيّنَ‏}‏ على الإقرار والإخراج اه‏.‏

ويعلم منه ما في قول العلامة‏:‏ إن عطف ‏{‏لِتَبْلُغُواْ‏}‏ الخ على ‏{‏لّنُبَيّنَ‏}‏ مخل بجزالة النظم الكريم وأنه لا يتعين الاستئناف في ‏{‏وَنُقِرُّ‏}‏ وفيه أيضاً أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنكُمْ مَّن يتوفى‏}‏ الخ استئناف لبيان أقسام الإخراج من الرحم كما استوفى أقسام الأول وفيه تبيين تفصيل حال بلوغ الأشد وأنها الحقيق بأن تكون مقصودة من الإنشاء لكن منهم من لا يصل إليها فيحتضر ومنهم من يجاوزها فيحتقر أي منكم من يموت قبل بلوغ الأشد ‏{‏وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر‏}‏ أي أرداه وأدناه، والمراد يرد إلى مثل زمن الطفولية ‏{‏لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ‏}‏ أي علم كثير ‏{‏شَيْئاً‏}‏ أي شيئاً من الأشياء أو شيئاً من العلم، واللام متعلقة بيرد وهي لام العاقبة والمراد المبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله وليس لزمان ذلك الرد حد محدود بل هو مختلف باختلاف الأمزجة على ما في «البحر» وإيراد الرد والتوفي على صيغة المبني للمفعول للجري على سنن الكبرياء لتعين الفاعل كما في إرشاد العقل السليم، وفي «شرح الكشاف» للطيبي بعد تجويز أن يكون ‏{‏ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ‏}‏ بتقدير ‏{‏ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ‏}‏ كان ذلك الإقرار والإخراج أن فائدة ذلك الإيذان بأن بلوغ الأشد أفضل الأحوال والإخراج أبدعها والرد إلى أرذل العمر أسوؤها وتغيير العبارة لذلك ومن ثم نسب الإخراج إلى ذاته تعالى المقدسة وحذف المعلل في الثاني ولم ينسب الثالث إلى فاعله وسلب فيه ما أثبت للإنسان في تلك الحالة من اتصافه بالعلم والقدرة المومىء إليه بالأشد كأنه قيل ثم يخرجكم من تلك الأطوار الخسيسة طفلاً إنشاء غريباً كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 14‏]‏ ثم لتبلغوا أشدكم دبر ذلك التدبير العجيب لأنه أوان رسوخ العلم والمعرفة والتمكن من العمل المقصودين من الإنشاء ثم يميتكم أو يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل اه‏.‏

ويفهم منه جواز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى بعد بلوغ الأشد، ومن الناس من جوز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى عند البلوغ، وقيل‏:‏ إن ذلك بجعل الجملة حالية ومن صيغة المضارع وهو كما ترى‏.‏ وقرىء ‏{‏يَتَوَفَّى‏}‏ على صيغة المعلوم وفاعله ضمير الله تعالى أي من يتوفاه الله تعالى، وجوز أن يكون ضمير من أي ‏{‏مِنْ‏}‏ يستوفي مدة عمره، وروي عن أبي عمرو‏.‏ ونافع تسكين ميم العمر‏.‏

هذا ثم لا يخفى ما في اختلاف أحوال الإنسان بعد الإخراج من الرحم من التنبيه على صحة البعث كما في اختلافها قبل فتأمل جميع ما ذكر ولله تعالى در التنزيل ما أكثر احتمالاته ‏{‏وَتَرَى الارض هَامِدَةً‏}‏ حجة أخرى على صحة البعث معطوفة على ‏{‏إِنَّا خلقناكم‏}‏ وهي حجة آفاقية وما تقدم حجة أنفسية والخطاب لكل أحد من تتأتى منه الرؤية، وقيل‏:‏ للمجادل، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار وهي بصرية لا علمية كما قيل، و‏{‏هَامِدَةً‏}‏ حال من ‏{‏الارض‏}‏ أي ميتة يابسة يقال همدت الأرض إذا يبست ودرست وهمد الثوب إذا بلى؛ وقال الأعشى‏:‏ قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا *** وأرى ثيابك باليات همدا

وأصله من همدت النار إذا صارت رماداً ‏{‏فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء‏}‏ أي ماء المطر، وقيل‏:‏ ما يعمه وماء العيون والأنهار وظاهر الإنزال يقتضي الأول ‏{‏اهتزت‏}‏ تحرك نباتها فالإسناد مجازي أو تخلخلت وانفصل بعض أجزائها عن بعض لأجل خروج النبات وحمل الاهتزاز على الحركة في الكيف بعيد ‏{‏وَرَبَتْ‏}‏ ازدادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنبات‏.‏

وقرأ أبو جعفر‏.‏ وعبد الله بن جعفر‏.‏ وخالد بن الياس‏.‏ وأبو عمرو في رواية ‏{‏وربأت‏}‏ بالهمز أي ارتفعت يقال فلأن يربأ بنفسه عن كذا أي يرتفع بها عنه، وقال ابن عطية‏:‏ هو من ربأت القوم إذا علوت شرفاً من الأرض طليعة عليهم فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو ‏{‏وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ‏}‏ أي صنف ‏{‏بَهِيجٍ‏}‏ حسن سار للناظر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق‏}‏ كلام مستأنف جىء به أثر تحقيق حقية البعث وإقامة البرهان عليه على أتم وجه لبيان أن ما ذكر من خلق الإنسان على أطوار مختلفة وتصريفه في أحوال متباينة وإحياء الأرض بعد موتها الكاشف عن حقية ذلك من آثار ألوهيته تعالى وأحكام شؤونه الذاتية والوصفية والفعلية وأن ما ينكرونه من إتيان الساعة والبعث من أسباب تلك الآثار العجيبة المعلومة لهم ومبادىء صدورها عنه تعالى، وفيه من الإيذان بقوة الدليل وأصالة المدلول في التحقق وإظهار بطلان إنكاره ما لا يخفى فإن إنكار تحقق السبب مع الجزم بتحقق المسبب مما يقضي ببطلانه بديهة العقول فذلك إشارة إلى خلق الإنسان على إطوار مختلفة وما معه الإفراد باعتبار المذكور وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الكمال وهو مبتدأ خبره الجار والمجرور، والمراد بالحق هو الثابت الذي يحق ثبوته لا محالة لكونه لذاته لا الثابت مطلقاً فوجه الحصر ظاهر أي ما ذكر من الصنع البديع حاصل بسبب أنه تعالى هو الحق وحده في ذاته وصفاته وأفعاله المحقق لما سواه من الأشياء ‏{‏ذلك بِأَنَّ الله‏}‏ أي شأنه وعادته تعالى شأنه إحياء الموتى، وحاصله أنه تعالى قادر على إحيائها بدءاً وإعادة وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة مرة بعد مرة وما تفيده صيغة المضارع من التجدد إنما هو باعتبار تعلق القدرة ومتعلقها لا باعتبار نفسها لأن القدم الشخصي ينافي ذلك‏.‏

‏{‏وَأَنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ‏}‏ أي مبالغ في القدرة وإلا لما أوجد هذه الموجودات الفائتة للحصر التي من جملتها ما ذكر، وتخصيص إحياء الموتى بالذكر مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها للتصريح بما فيه النزاع والدفع في نحو المنكرين، وتقديمه لإبراز الاعتناء به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ‏}‏ أي فيما سيأتي، والتعبير بذلك دون الفعل للدلالة على تحقق إتيانها وتقرره البتة لاقتضاء الحكمة إياه لا محالة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهَا‏}‏ إما خبر ثان لأن أو حال من ضمير ‏{‏الساعة‏}‏ في الخبر، ومعنى نفي الريب عنها أنها في ظهور أمرها ووضوح دلائلها بحيث ليس فيها مظنة أن يرتاب في إتيانها‏.‏

وأن وما بعدها في تأويل مصدر عطف على المصدر المجرور بباء السببية داخل معه في حيزها كالمصدرين الحاصلين من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ يُحْيِىَ الموتى‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 6‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ على كُلّ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 6‏]‏ وكذا قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور‏}‏ لكن لا من حيث أن إتيان الساعة وبعث من في القبور مؤثر إن فيما ذكر من أفاعيله تعالى تأثير القدرة فيها بل من حيث أن كلاً منهما بسبب داع له عز وجل بموجب رأفته بالعباد المبنية على الحكم البالغة إلى ما ذكر من خلقهم ومن إحياء الأرض الميتة على نمط بديع صالح للاستشهاد به على إمكانهما ليتأملوا في ذلك ويستدلوا به عليه أو على وقوعهما ويصدقوا بذلك لينالوا السعادة الأبدية ولولا ذلك لما فعل بل لما خلق العالم رأساً، وهذا كما ترى من أحكام حقيته تعالى في أفعاله وابتنائها على الحكم الباهرة كما أن ما قبله من أحكام حقيته تعالى في صفاته وكونها في غاية الكمال، هذا ما اختاره العلامة أبو السعود في تفسير ذلك وهو مما يميل إليه الطبع السليم، وجعل صاحب الكشاف الإشارة إلى ما ذكر أيضاً إلا أنه بحسب الظاهر جعل إتيان الساعة وبعث من في القبور حيث إن ذلك من روادف الحكمة كناية عنها فكأن الأصل ذلك حاصل بسبب أن الله تعالى هو الحق الثابت الموجود وأنه قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور وأنه حكيم فاكتفى بمقتضى الحكمة عن الوصف بالحكمة لما في الكناية من النكتة خصوصاً والكلام مع منكري البعث للدفع في نحورهم‏.‏ ولا يخلو عن بعد، ونقل النيسابوري عبارة الكشف واعترضها بما لا يخفى رده وأبدى وجهاً في الآية ذكر أنه مما لم يخطر لغيره ورجا أن يكون صواباً وهو مع اقتضائه حمل الباء على ما يعم السببية الفاعلية والسببية الغائية مما لا يخفى ما فيه، وقيل‏:‏ ذلك إشارة إلى ما ذكر إلا أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ‏}‏ الخ ليس معطوفاً على المجرور بالباء ولا داخلاً في حيز السببية بل هو خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى والتقدير والأمر أن الساعة آتية الخ، وعليه اقتصر أبو حيان وفيه قطع للكلام عن الانتظام، وقيل‏:‏ ذلك إشارة إلى ماذكر إلا أن الباء صلة لكون خاص وليست سببية أي مشعر بأن الله هو الحق الخ، وفيه أنه لا قرينة على هذا الكون الخاص وقيل‏:‏ المعنى ذلك ليعلموا أن الله هو الحق الخ، وفيه تلويح ما إلى معنى الحديث القدسي المشهور على الألسنة وفي كتب الصوفية وإم لم يثبت عند المحدثين وهو «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أنأعرف فخلقت الخلق لأعرف» وهو كما ترى، وقيل‏:‏ الإشارة إلى البعث المستدل عليه بما سبق واستظهره بعضهم، ولا يخفى عليك ما يحتاج إليه من التكلف، ونقل في البحر أن ذلك منصوب بفعل مضمر أي فعلنا ذلك بأن الخ‏.‏

وأبو علي اقتصر على القول بأنه مرفوع على الإبتداء والجار والمجرور خبره؛ وقال‏:‏ لا يجوز غيره ذلك وكأنه عنى بالغير ما ذكر، وما نقله العكبري من أنه خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك والحق الجواز إلا أنه خلاف الظاهر جداً، ثم أن المراد من الساعة قيل يوم القيامة المشتمل على النشر والحشر وغيرهما، وقال سعدى جلبي‏:‏ المراد بها هنا فناء العالم بالكلية لئلا تتكرر مع البعث، وقول الطيبي‏:‏ إن سبيل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ‏}‏ من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور‏}‏ سبيل قوله جل وعلا ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 6‏]‏ من قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ يُحْيِىَ الموتى‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 6‏]‏ لكن قدم وأخر لرعاية الفواصل ظاهر في الأول‏.‏ هذا وفي الاتقان للجلال السيوطي أن الإسلاميين من أهل المنطق ذكروا أن في أول سورة الحج إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور‏}‏ خمس نتئج تستنتج من عشر مقدمات ثم بين ذلك بما يقضي منه العجب ويدل على قصور باعه في ذلك العلم، وقد يقال في بيان ذلك‏:‏ إن النتائج الخمس هي الجمل المتعاطفة الداخلة في حيز الباء، واستنتاج الأولى بأنه لو لم يكن الله سبحانه هو الحق أي الواجب الوجود لذاته لما شوهد بعض الممكنات من الإنسان والنبات وغيرها والتالي باطل ضرورة فالله تعالى هو الحق، ودليل الملازمة برهان التمانع، واستنتاج الثانية بأنه لو لم يكن سبحانه قادراً على إحياء الموتى لما طور الإنسان في أطوار مختلفة حتى جعله حياً وأنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها والتالي باطل ضرورة أن الخصم لا ينكر أنه تعالى أحيا الإنسان وأحيا الأرض فالله تعالى قادر على إحياء الموتى ووجه الملازمة ظاهر‏.‏ واستنتاج الثالثة بأنه إذا كان الله تعالى قادراً على إحياء الموتى فهو سبحانه على كل شيء قدير لكنه تعالى قادر على إحياء الموتى فهو على كل شيء قدير، ووجه الملازمة أن المراد من الشيء الممكن وإحياء الموتى ممكن والقدرة على بعض الممكنات دون بعض تنافى وجوب وجوده تعالى الذاتي؛ وأيضاً إحياء الموتى أصعب الأمور عند الخصم المجادل حتى زعم أنه من الممتنعات فإذا ثبت أنه سبحانه قادر عليه بما سبق ثبت أنه تعالى قادر على سائر الممكنات بالطريق الأولى‏.‏

واستنتاج الرابعة بأن الساعة أمر ممكن وعد الصادق بإتيانه وكل أمر ممكن وعد الصادق بإتيانه فهو آت فالساعة آتية أما أن الساعة أمر ممكن فلأنه لا يلزم من فرض وقوعها محال وأما أنها وعد الصادق بإتيانها فللآيات القرآنية المتحدى بها وأما أن كل أمر ممكن وعد الصادق بإتيانه فهو آت فلاستحالة الكذب، واستنتاج الخامسة بنحوذلك ولا يتعين استنتاج كل ما ذكر بل يمكن بغير ذلك واختياره لتسارعه إلى الذهن، وربما يقتصر على ثلاث من هذه الخمس بناء على ما علمت بين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ يُحْيِىَ الموتى‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 6‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 6‏]‏ وكذا بين قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ‏}‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور‏}‏ ويعد من الخمس قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَىْء عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 1‏]‏ واستنتاجها بأن يقال‏:‏ زلزلة الساعة تذهل كل مرضعة عما أرضعت وكل ما هذا شأنه فهو شيء عظيم فزلزلة الساعة شيء عظيم، والتقوى واجبة عليكم المدلول عليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتقوا رَبَّكُمُ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 1‏]‏ واستنتاجه بأن يقال‏:‏ التقوى يندفع بها ضرر الساعة وكل ما يندفع به الضرر عليكم فالتقوى واجبة عليكم، ولا يخفى أن ما ذكر أولاً أولى إلا أنه لو كان مرادهم لكان الظاهر أن يقولوا‏:‏ إن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق‏}‏ إلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 6، 7‏]‏ خمس نتائج دون أن يقولوا‏:‏ إن في أول سورة الحج إلى آخره ويناسب هذا القول ما ذكر ثانياً إلا أنه يرد عليه أن المتبادر من كلامهم كون كل من النتائج مذكوراً صريحاً، ولا شك أن التقوى واجبة عليكم ليس مذكوراً كذلك وإنما المذكور ما يدل عليه في الجملة وهوأيضاً ليس بقضية كما لا يخفى، وقد تكلف بعض الناس لبيان ذلك غير ما ذكرنا رأينا ترك ذكره أولى فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ نزلت على ما روى عن محمد بن كعب في الأخنس بن شريق؛ وعلى ما روى عن ابن عباس في أبي جهل، وعلى ما ذهب إليه جمع في النضر كالآية السابقة فإذا اتحد المجادل في الآيتين فالتكرار مبالغة في الذم أو لكون كل من الآيتين مشتملة على زيادة ليست في الأخرى، وقال ابن عطية‏:‏ كررت الآية على جهة التوبيخ فكأنه قيل هذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ومن الناس مع ذلك من يجادل إلى آخره فالواو هنا واو الحال وفي الآية المتقدمة واو العطف عطفت جملة الكلام على ما قبلها على معنى الأخبار لا للتوبيخ انتهى، وهو كما ترى‏.‏ وفي «الكشف» أن الأظهر في النظم والأوفق للمقام كون هذه الآية في المقلدين بفتح اللام وتلك في المقلدين بكسر اللام فالواو للعطف على الآية الأولى، والمراد بالعلم العلم الضروري كما أن المراد بالهدى في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ هُدًى‏}‏ الاستدلال والنظر الصحيح الهادي إلى المعرفة ‏{‏وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ‏}‏ وحي مظهر للحق أي يجادل في شأنه تعالى شأنه من غير تمسك بمقدمة ضرورية ولا بحجة ولا ببرهان سمعي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏ثَانِىَ عِطْفِهِ‏}‏ حال من ضمير ‏{‏يجادل‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 8‏]‏ كالجار والمجرور السابق أي لاوياً لجانبه وهو كناية عن عدم قبوله، وهو مراد ابن عباس بقوله متكبراً والضحاك بقوله شامخاً بأنفه وابن جريج بقوله معرضاً عن الحق‏.‏

وقرأ الحسن ‏{‏عِطْفِهِ‏}‏ بفتح العين أي مانعاً لتعطفه وترحمه ‏{‏لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ متعلق بيجادل علة له فإن غرضه من الجدال الإضلال عن سبيله تعالى وإن لم يعترف بأنه إضلال، وجوز أبو البقاء تعلقه بثاني وليس بذاك، والمراد بالإضلال إما الإخراج من الهدى إلى الضلال فالمفعول من يجادل من المؤمنين أو الناس جميعاً بتغليب المؤمنين على غيرهم وأما التثبيت على الضلال أو الزيادة عليه مجازاً فالمفعول هم الكفرة خاصة‏.‏

وقرأ مجاهد‏.‏ وأهل مكة‏.‏ وأبو عمرو في رواية ‏{‏لِيُضِلَّ‏}‏ بفتح الياء أي ليضل في نفسه؛ والتعبير بصيغة المضارع مع أنه لم يكن مهتدياً لجعل تمكنه من الهدى كالهدى لكونه هدى بالقوة، ويجوز أن يراد ليستمر على الضلال أو ليزيد ضلاله، وقيل‏:‏ إن ذلك لجعل ضلاله الأول كلاضلال، وأياماً كان فاللام للعاقبة ‏{‏لَهُ فِى الدنيا خِزْىٌ‏}‏ جملة مستأنفة لبيان نتيجة ما سلكه من الطريق، وجوز أبو البقاء أن تكون حالاً مقدرة أو مقارنة على معنى استحقاق ذلك والأول أظهر أي ثابت له في الدنيا بسبب ما فعله ذل وهوان، والمراد به عند القائلين بأن هذا المجادل النضر أو أبو جهل ما أصابه يوم بدر، ومن عمم وهو الأولى حمله على ذم المؤمنين إياه وإفحامهم له عند البحث وعدم إدلائه بحجة أصلاً أو على هذا مع ما يناله من النكال كالقتل لكن بالنسبة إلى بعض الأفراد‏.‏

‏{‏وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق‏}‏ أي النار البالغة في الإحراق، والإضافة على ما قيل من إضالفة المسبب إلى السبب، وفسر الحريق أيضاً بطبقة من طباق جهنم، وجوز أن تكون الإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة والمراد العذاب الحريق أي المحرق جداً، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنه ‏{‏وأذيقه‏}‏ بهمزة المتكلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏يَفْعَلْ ذلك‏}‏ أي ما ذكر من ثبوت الخزي له في الدنيا وإذاقة عذاب الحريق في الأخرى، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ‏}‏ أي بسبب ما اكتسبته من الكفر والمعاصي، وإسناده إلى يديه لما أن الاكتساب عادة يكون بالأيدي، وجوز أن يكون ذلك خبراً لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وأن يكون مفعولاً لفعل محذوف أي فعلنا ذلك الخ وهو خلاف الظاهر، والجملة استئناف لا محل لها من الإعراب، وجوز أن تكون في محل نصب مفعولة لقول محذوف وقع حالاً أي قائلين أو مقولاً له ذلك الخ، وعلى الأول يكون في الكلام التفات لتأكيد الوعيد وتشهيد التهديد ‏{‏وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ‏}‏ الظاهر أنه عطف على ما وبه قال بعضم، وفائدته الدلالة على أن سببية ما اقترفوه من الذنوب لعذابهم مقيدة بانضمام انتفاء ظلمه تعالى إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ما اقترفوا لا أن لا يعذبهم بما اقترفوا، وحاصله أن تعذيب العصاة يحتمل أن يكون لذنوبهم ويحتمل أن يكون لمجرد إرادة عذابهم من غير ذنب فجيء بهذا لرفع الاحتمال الثاني وتعيين الأول للسببية لا لرفع احتمال أن لا يعذبهم بذنوبهم لأنه جائز بل بعض الآيات تدل على وقوعه في حق بعض العصاة، ومرجع ذلك في الآخرة إلى تقريع الكفر وتبكيتهم بأنه لا سبب للعذاب إلى من قبلهم كأنه قيل‏:‏ إن ذلك العذاب إنما نشأ من ذنوبكم التي اكتسبتموها لا من شيء آخر‏.‏

واختار العلامة أبو السعود أن محل أن وما بعدها الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب من قبلهم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها، وقال في العطف‏:‏ للدلالة على أن سببية الخ أنه ليس بسديد لما أن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء الكفرة المعينة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه، نعم لو كان المدعى كون جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين لاحتيج إلى ذلك انتهى‏.‏

وتعقب قوله‏:‏ إن إمكان الخ بأن الكلام ليس في منافاة ذينك الأمرين بحسب ذاتهما بل في منافاة احتمال التعذيب بلا ذنب لتعين سببية الذنوب له وقوله نعم لو كان المدعى الخ بأن الاحتياج إلى ذلك القيد في كل من الصورتين إنماهو لتقريع المذنبين بأنه لا سبب لتعذيبهم إلا من قبلهم فالقول بالاحتياج في صورة الجميع وبعدمه في صورة الخصوصية ركيك جداً، وتعقب أيضاً بغير ذلك، والقول بالاعتراض وإن كان لا يخلو عن بعد أبعد عن الاعتراض، والتعبير عن نفي تعذيبه تعالى لعبيده من غير ذنب بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من الظلم وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم، وقيل‏:‏ هي لرعاية جمعية العبيد فتكون للمبالغة كما لا كيفا‏.‏

واعترض بأن نفي المبالغة كيفما كانت توهم المحال، وقيل‏:‏ يجوز أن تعتبر المبالغة بعد النفي فيكون ذلك مبالغة في النفي لا نفياً للمبالغة، واعترض بأن ذلك ليس مثل القيد المنفصل الذي يجوز اعتبار تأخره وتقدمه كما قالوه في القيود الواقعة مع النفي، وجعله قيداً في التقدير لأنه بمعنى ليس بذي لم عظيم أو كثير تكلف لا نظير له، وقيل‏:‏ إن ظلاماً للنسبة أي ليس بذلك ظلم ولا يختص ذلك بصيغة فاعل فقد جاء‏:‏ وليست بذي رمح ولست بنبال *** وقيل غير ذلك‏.‏